ابراهيم بن عمر البقاعي
406
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
إلى الجور مِنْها أي من الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب : فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * أي مستحق للطرد والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد . ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير ، بين أنه دائم بقوله ، مؤكدا إشارة إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر : وَإِنَّ عَلَيْكَ أي خاصة . ولما كان السياق هنا للتكلم في غير مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر فقال : لَعْنَتِي أي إبعادي مع الطرد والخزي والهوان والذل مستعل ذلك عليك دائما قاهرا لك لا تقدر على الانفكاك عنه بوجه ، وأما غيرك فلا يتعين للعن بل يكون بين الرجاء والخوف لا علم للخلائق بأنه مقطوع بلعنه ما دام حيا إلا من أخبر عنه نبي من الأنبياء بذلك ، ثم غيى هذا اللعن بقوله : إِلى يَوْمِ الدِّينِ * أي فإذا جاء ذلك اليوم أخذ في المجازاة لكل عامل بما عمل ولم يبق لمذنب وقت يتدارك فيه ما فاته ، وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق للعن كلهم ، ولم يبق علم ذلك خاصا بإبليس ، بل يقع العلم بجميع أهل اللعنة ، فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا للعن . ولما كان ذلك ، تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في سياق معلم أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة ، بل أدركه الخذلان بالتمادي في الطغيان ، فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال والإعراق في الضلال ضد ما أنعم به على آدم عليه السّلام ، فقال ذاكرا صفة الإحسان والتسبيب لسؤال الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن اللعنة مغباة بيوم الدين : قالَ رَبِّ أي أيها المحسن إليّ بإيجادي وجعلي في عداد الملائكة الكرام فَأَنْظِرْنِي أي بسبب ما عذبتني به من الطرد إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * أي آدم وذريته الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق : قالَ مؤكدا لأن مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور : فَإِنَّكَ أي بسبب هذا السؤال مِنَ الْمُنْظَرِينَ * وهذا يدل على أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضا . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 81 إلى 88 ] إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 ) . ولما دبج في عبارته بما يقتضي السؤال في أن لا يموت ، فإن يوم البعث ظرف لفيض الحياة لا لغيضها ولبسطها لا لقبضها ، منعه ذلك بقوله : إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ ولما